مقالات

حماة… النظام السوري مهدّد في مدينة النواعير

محمد أمين، رامي سويد

تواصل فصائل المعارضة السورية المسلحة تقدمها في ريف حماة الشمالي، محققةً انتصارات متلاحقة على قوات النظام والمليشيات المساندة لها. وتتجه المعارضة بخطى ثابتة نحو مدينة حماة، التي يسيطر عليها النظام. واستولت المعارضة على نقاط استراتيجية جديدة في تلك المنطقة بوسط سورية، لتصبح على بعد ثمانية كيلومترات فقط من المدخل الشمالي لمدينة حماة.
وسيطرت قوات المعارضة على بلدة معردس في ريف حماة الشمالي ظهر أمس الخميس، بعد اشتباكات مع عناصر قوات النظام الذين كانوا متمركزين في البلدة قبل أن ينسحبوا منها جنوباً نحو مناطق سيطرة النظام في حماة. وبعد ذلك، تمكنت قوات المعارضة من إحكام قبضتها على حاجز الكازية على أوتوستراد حلب دمشق الدولي (شمال حماة).

وأدى الهجوم الذي تشنه فصائل “جيش النصر” و”تجمع العزة” و”تنظيم جند الأقصى”، إلى قلب الطاولة على قوات النظام ومليشياته في ريف حماة الشمالي. وساهم وفق محللين بإرباك صفوفها، واضطراها إلى الانسحاب مدحورة باتجاه مدينة حماة، مركز المحافظة. واكتفى طيران النظام والمقاتلات الروسية بشن غارات على المدن التي خرجت عن سيطرته، ما أدى إلى موجة نزوح كبيرة باتجاه مناطق المعارضة في محافظة إدلب، قتل وأصيب عدد منهم بالغارات التي استهدفت حافلات كانت تقلهم، وفق مصادر مطلعة.

وكانت مدينة حماة من أولى المدن التي لبت نداء الثورة في بدايات عام 2011. وخرجت في بداية يوليو/تموز بأكبر تظاهرة شهدتها سورية طيلة سنوات الثورة، إذ كانت المدينة مدفوعة بقوة من إرث دموي مع النظام الذي ارتكب جرائم إبادة جماعية فيها عام 1982، إثر محاولة من جماعة الإخوان المسلمين التمرد على النظام. وتؤكد مصادر أن رفعت الأسد، المسؤول الميداني عن تلك المجازر، افتخر في ذلك العام الذي يصفه السوريون بـ”الأسود”، أمام اجتماع ما يُسمّى بـ”القيادة القطرية” لحزب البعث، بأنه قتل 38 ألف حموي، وأزال عائلات وأحياء كاملة. لكن ابن أخيه، بشار، تفوق عليه بعد ثلاثين سنة، وارتكب من المجازر في سورية ما جعل مدينة حماة تتردد، ثم تصمت، لتتحول إلى مدينة “هادئة”. وتؤكد مصادر أن الأسد هدد وجهاء المدينة بتدميرها بالكامل في حال استمرت في الثورة. تجدر الإشارة إلى أن النظام أحاطها منذ ثمانينيات القرن الماضي بالعديد من المواقع العسكرية لإرهابها.


المعارضة تخشى محاولة داعش التقدم في ريف حماة الشرقي لخلط الأوراق


وتعد مدينة حماة ذات التاريخ الموغل بالقدم، من المدن العربية بتركيبة مذهبية متنوعة يغلب عليها العرب السنة مع وجود أحياء يقطنها سوريون مسيحيون. ومن أبرز قرى ريفها الشمالي صوران، معردس، حلفايا، طيبة الأمام، كفر زيتا، اللطامنة. وفي ريفها الشرقي، يعيش خليط سني وإسماعيلي وعلوي. ومن أبرز مدنه سلمية، مركز الثقل الرئيسي للطائفة الإسماعيلية في سورية. وتوجد في المنطقة ثلاث قوى، هي: المعارضة، والنظام، وتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). وفي غرب المدينة، مدن وبلدات وقرى مختلطة أبرزها مدينة مصياف، وسلحب، وجورين، كما أن هناك مدينتي محردة، والسقيلبية المسيحيتين، وسهل الغاب الذي يضم قرى سنية، وعلوية، وأخرى فيها الطائفة المرشدية القريبة من حيث المعتقد من الطائفة العلوية. ويعد جنوب حماة سنياً باستثناء قريتين للطائفة العلوية: الزارة وعقرب، وبلدة مسيحية، كفر بهم، وقرية مسيحية بالقرب منها.

وتعد حماة التي يحلو للسوريين تسميتها مدينة “النواعير”، نسبة الى نواعير المياه التاريخية الموجودة على نهر العاصي الذي يمر من وسطها، المحافظة السورية الرابعة لجهة عدد السكان بعد دمشق وحلب وحمص. وكان تعداد سكان المدينة وريفها نحو مليون و700 ألف. لكن الناشط الإعلامي، شحود جدوع، يؤكد في حديث مع “العربي الجديد” أن عدد سكان المدينة تحديداً تضاعف خلال العامين الأخيرين، بسبب نزوح عدد كبير من المناطق الملتهبة، لا سيما من الموالين، إلى مدينة حماة التي باتت اليوم مكتظة بالسكان. ويعتبر مطار حماة من المطارات التي تُوصف بـ”القذرة”، إذ تنطلق من مدرجاته، ومنذ بدء الثورة، الطائرات الحربية والمروحية التي ارتكب طياروها المجازر في كل أنحاء سورية. كما يضم المطار أكبر معامل تصنيع البراميل المتفجرة، سلاح النظام الأكثر فتكاً بالمدنيين.

ويؤكد الناطق الإعلامي باسم “جيش النصر”، محمد رشيد، أن هذا المطار من أهم الأهداف لفصائل المعارضة، التي تسعى للسيطرة عليه في المراحل المقبلة من المعارك. ويشير إلى أن جبل زين العابدين شمال غرب المدينة “هو الهدف المقبل” لقوات المعارضة. ويعد هذا الجبل من كبرى ثكنات النظام العسكرية حول حماة. ويضم مدفعية وراجمات روسية وأجهزة تشويش ومنظومة اتصالات عسكرية، وفق مصادر مطلعة. ويضيف رشيد أن عيون مقاتلي الفصائل “ترنو إلى مدينة حماة”، التي هي الهدف الأهم بالنسبة للمعارك التي يخوضونها منذ أيام.

سيطرة المعارضة على حماة تساهم في ضرب أي مشروع للتقسيم


ويرى مراقبون أن محافظة حماة تمثل أهمية استراتيجية للنظام والمعارضة على حد سواء. ويتوقعون بالتالي حصول معارك كر وفر في المرحلة المقبلة، لا سيما إذا اقتربت المعارضة أكثر من المدينة ومن مطارها. في هذا السياق، تبدي مصادر في المعارضة خشيتها من محاولة “داعش” التقدم في ريف حماة الشرقي لخلط الأوراق، وفرض نفسه في المعادلة العسكرية في هذه المنطقة الهامة، ولتعويض خسائره شمال سورية، ورفع معنويات مقاتليه.

خزان شبيحة النظام
ويرى المحلل العسكري، العقيد مصطفى بكور، أن مدينة حماة “مهمة جداً بالنسبة للنظام بسبب مجاورتها للمناطق ذات الغالبية المذهبية الموالية له، وبسبب وجود مطار حماة فيها، وهو يحمل العبء الأكبر من الطيران باتجاه المنطقة الوسطى والشمالية”، موضحاً، في حديث مع “العربي الجديد”، أن المحافظة أصبحت “صلة الوصل بين الساحل وحلب عن طريق بلدة خناصر بعد سيطرة المعارضة على محافظة إدلب بالكامل”. ويشير بكور، وهو طيار منشق عن جيش النظام، إلى أن محافظة حماة “تعد بيضة القبان في مشروع دويلة النظام المطروحة، إذ تحتوي على تنوع طائفي في سورية”، مؤكداً أن سيطرة المعارضة على مدينة حماة ستكون بمثابة “دق المسمار الأخير بنعش دويلة النظام، وإيقاف مطارها (يستخدم كقاعدة للطيران الحربي للنظام)، كما يعني خلق اتصال جغرافي مع المناطق المحررة في شمال حمص، مما يؤدي إلى فك الحصار عن ريف حمص الشمالي”.

ويرى بكور أن من شأن سيطرة المعارضة على حماة أن تساهم في ضرب أي مشروع للتقسيم، وإلغاء مفهوم “سورية المفيدة” الذي يبدو أن نظام الأسد ماضٍ في تنفيذه. وستكون الضربة حاسمة لهذا المشروع إذا نجحت المعارضة بالسيطرة على سهل الغاب. وينفي بكور الأنباء عن تعمد قوات النظام الانسحاب من مواقع ومدن وبلدات، مشيراً إلى أن النظام “بأضعف حالاته” في ريف حماة بعد نقل المليشيات الطائفية متعددة الجنسيات، والفرقة 11 إلى حلب، والاعتماد على شبيحة القرى الموالية. ويضيف في هذا الصدد، أنه “من المعروف أن الشبيحة لا يصمدون في المعارك”، مؤكداً، بالاستناد إلى ما لديه من معلومات حول مجريات المعارك في ريف حماة الشمالي، أن هزائم قوات النظام المتلاحقة مردها عدم وجود رغبة بالقتال لديها.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق